بقلم الكاتب صفوح منجّد
ما جرى إسقاط لسوريا ؟ أم إسقاط للنظام؟ هو السؤال الكبير الدرامي غير المسبوق الذي بدأت تجلياته بالظهور منذ عشرة أيام، قبل أن يبزغ فجر صبيحة الثامن من كانون الأول 2024، حيث بادرت المعارضة المسلحة إلى إعلان الإطاحة بحكم الرئيس بشار الاسد والسيطرة على العاصمة دمشق.
ففي بيانها الرقم واحد أشارت المعارضة إلى بدء عهد جديد لسوريا، ودعا زعيم هيئة تحرير الشام أحمد الشرع المعروف بأبي محمد الجولاني، مقاتليه إلى عدم المس بالمؤسسات العامة، وعهد إلى الحكومة الحالية متابعة تسيير أمور البلاد حتى قيام سلطة جديدة.
وفي أول موقف لها بعد الإطاحة بالرئيس الأسد أكدت وزارة الخارجية السورية أن صفحة جديدة بتاريخ سوريا تُكتب اليوم لتدشين عهد يجمع كلمة السوريين ويوحدهم (وفاتتها أن هذه المصطلحات قد أصبحت من الماضي وطارت من السجلات كما “طار” الحكم. (متناسية أن النظام عوّد مواطنيه على المماطلة وأنّ إقرار القوانين تستغرق أشهرا وسنوات) مما يوحي إلى أي درجة عقم قد وصلت فيها أدمغة حاكمي الزمن البائد؟!
ومع إنهاء حكمه تُطرح تساؤلات كبيرة حول مصير الرئيس الاسد وعن مكان وجودة، وفي هذا الإطار أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه غادر سوريا من دون تقديم تفاصيل.
ومن جانبه قال وزير الخارجية التركي (هاكان فيدان): ربما يكون الأسد خارج سوريا، لكنني لست متأكدا أين هو؟
وفيما ذكر مسؤولون إسرائيليون أنه توجه إلى قاعدة حميميم الروسية، قالت وسائل إعلام عبرية أنه تم رصد طائرة للرئيس الأسد، لكنها سرعان ما إختفت عن الرادار.
وأعلن وزير الخارجية التركي من جانبه أن بلاده ستواصل العمل مع الحكومة السورية الجديدة، أما كيان الإحتلال الإسرائيلي فأعلن إستنفاره سياسيا وديبلوماسيا وعسكريا وعزز قواته في المنطقة الفاصلة في الجولان المحتل.
أما لبنان فقد تابع بإهتمام الحدث السوري وشدد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على أولوية ضبط الوضع الحدودي مع سوريا داعيا إلى النئي عن تداعيات المستجدات في البلد الجار (أحلى شي يلعب اللبنانيون الغمّيضة والفتّيحة).
وأكدت وزارة الخارجية اللبنانية أن لبنان يحترم إرادة الشعب السوري الذي يعود له وحده إختيار ممثليه ونظامه السياسي.
أما اللبنانيون من أصحاب الشعارات الفارغة والرهانات الدائمة ومستثمري التحولات الخارجية في الداخل، من كل المشارب السياسية والطوائف فليعيروا الشعب اللبناني سكوته في هذه المرحلة وليخجلوا من الماضي الأسود الذي نقلوا فيه البندقية عشرات المرات من كتف إلى كتف، فقاتلوا إلى جانب الجيش السوري مرّات، وزحفوا على أعتاب مخابراته مرّات ومرّات، كما ناموا في بيت الاسد مرّات ومرّات ومرّات ولن نقول أكثر.
فبين لبنان وسوريا السياسة تتغيّر ومسار التاريخ يتبدّل أما الجغرافيا فهي: الثابت الوحيد في كل الأزمان ووسط كل التحولات.
في 8 كانون الأول 2024: ماتت سوريا الاسد، عاشت سوريا الجديدة، 8 كانون الأول 2024 ماتت سوريا البعث فإنبعثت سوريا الحرّية والأحرار، والأحرى هي ماتت من زمان مع إعتناق الاسد شعار: من يدفع أكثر ويحميني ويحقق دجلي وزيادة مكاسبي المالية، وما أتلقاه من هدايا، عذرا ما يصلني من رشاوى وحلى ويعينني فيما إبتغيه وهو أن أكون إلى جانب مواقف ومتطلبات من يدفع ويحميني من شعبي.. الاسد هرب، وهذه هي نهاية الطغاة.
وفي خِضم هذه التطورات يواصل أبناء طرابلس والشمال مسيراتهم الجوالة مشيا على الاقدام أو بواسطة شتى أنواع المركبات والشاحنات وخاصة تلك التي بإمكانها أن تنقل أكبر عدد من أهالي المناطق للتجول في مختلف أنحاء مدينة طرابلس والجوار ليتبادل هؤلاء مع سكان المدينة التهاني “والزلاغيط” ويردّ هؤلاء بإطلاق نيران أسلحتهم الحربية التي تتسبب بإزعاج الأهالي إلى جانب إلحاق الأضرار بالمباني والسيارات وسُجّلت إصابات والحمد لله أنه تمت معالجتها في المستشفيات.
وتوزع الأهالي من مختلف الأعمار في زوايا الطرقات والمقاهي الشعبية يسترجعون تلك الأحداث المريرة التي عانوا منها على ايدي القوات السورية التي كانت تسمى ب “قوات الردع العربية” والتي دخلت إلى طرابلس والمناطق الشمالية في أعقاب المواجهات الدامية التي شهدتها المدينة في تلك الفترة. وما يزال الشماليون والطرابلسيون يتندرون بتلك الأحداث المؤلمة والحزينة حيث لجأت تلك العناصر إلى إستخدام القوة ضد الأهالي وسوق بعضهم إلى أماكن معينة لمتابعة أعمال التعذيب وتلفيق الإتهامات وإيداع بعضهم اماكن التوقيف في مراكز الإعتقال والحجز التي إشتهرت آنذاك بإستخدام القوّة وإجراءات العزل ولاسيما في مراكز (الأميركان في القبة) و (مارمارون) في طرابلس، والمكان الأبشع هوقلعة طرابلس التاريخية والذين “أقاموا” في هذه الأماكن يتحدثون عن شتى أنواع القمع والتعذيب والتنكيل التي يتعرضون لها، والعديد من هؤلاء الموقوفين أصيبوا بعاهات وإعاقات دائمة، ومع كل هذا كانوا يتقبلونها بشجاعة خوفا من إنتظار الأصعب والأبشع في حال نقلهم إلى أحد سجون دمشق أو صيدنايا او المزة، فهناك “التعتير” والعذاب الكبير و ينطبق عليه القول “الداخل مفقود والخارج مولود”.
ولكن ما لا ينساه الطرابلسيون والشماليون وكل لبنان محاولات الإجرام الكبرى التي مارسها النظام السوري ضد الأراضي والسكان اللبنانيين وفي مقدمها تلك الجريمة التي لا تُنسى والتي تُعرف بجريمة تفجير مسجدي “التقوى” و “السلام” التي اودت بحياة العشرات من المصلين من مختلف الأعمار، والتي تُعرف بجريمة (النائب السابق ميشال سماحة) الذي أغراه الحكم السوري آنذاك، بنقل كميات كبيرة من المواد المتفجرة من سوريا إلى طرابلس عبر الحدود الشمالية حيث سلّم سماحة هذه المتفجرات إلى أشخاص موالين للحكم في سوريا.
ووفق المعلومات التي نُشرت آنذاك فإن كمية المتفجرات إستخدمت في تفجيري مسجد التقوى عند مستديرة نهر ابو علي في التبانة وعند مدخل مسجد السلام على طريق طرابلس-الميناء وتم توقيت التفجير عند خروج المصلين حيث تسببت الجريمة بفتنة أمنية مسلحة دفعت المدينة ثمنها غاليا سواء بالنسبة لعدد الضحايا التي سقطت خلال المواجهات بين القوى السياسية والحزبية والأهالي والتي إستمرت إنعكاساتها مدة طويلة إلى حين تمكنت المرجعيات السياسية في البلدين من إجراء المصالحات وطيّ هذه الصفحة السوداء.
والجدير ذكره أن العديد من أعمال العنف وجرائم القتل كانت منتشرة في المدينة وفي العديد من البلدات الشمالية، ولطالما كانت منازل النواب وكبار المسؤولين في المنطقة تغص بالأهالي والمراجعين مطالبين بالتدخل للإفراج عن إبن لهم أو أكثر قد تم إجتجازه من قِبل القوات السورية وإحالتهم إلى سجن المزة المشهور في العاصمة السورية بأن أعمال التعذيب فيه والتنكيل مشهورة بشدتها، وفي احيان كثيرة كان المسؤولون العسكريون في سجون سوريا “يوعدون دون تنفيذ”.